السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إخواني وأخواتي الأعزاء؛ اسمي نظام الدين، وأنا الشريك المؤسس لشركة “حلالز”، وهي شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا؛ نحن نتحمل مسؤولية عظيمة تتمثل في إنشاء منظومة إنترنت حلال للمسلمين حول العالم، وكذلك لكل من يسعى إلى تجربة إنترنت أخلاقية وآمنة.
لا شك أن الإنترنت أداة ذات قوة هائلة، ويمكن أن تكون مصدر تمكين لا يضاهى إذا ما استخدمت على النحو الأمثل. لقد كنتُ رائد أعمال في مجال الإنترنت طوال حياتي، وكانت رحلة مُلهمة ومليئة بالتمكين. أعتقد أن عملنا في “ويد يفيز” كان بمثابة يد العون للآلاف حول العالم.
قبل عشرين عامًا، اخترت ريادة الأعمال إيمانًا بأنها السبيل الأمثل لحل المشكلات والمساهمة في تحسين العالم. عندما بدأت التفكير في ريادة الأعمال كمهنة في عامي 2010 و2011، كنت مفتونًا بفكرة أن ريادة الأعمال يمكن أن تكون وسيلة فعالة لحل مشاكل المجتمع؛ وقد تزامن ذلك مع نصائح أهلي بضرورة التصدق المستمر، باعتباره من أفضل أعمال البر والإحسان في الإسلام.
مثل الكثيرين منكم الذين نشأوا في بيوت مسلمة، غرس والديّ في نفسي أهمية التمسك بقيمنا الدينية وأخلاقنا في كل ما نقوم به؛ فكلماتنا وأفعالنا مستمدة من هدي القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. لقد وجدت أن ريادة الأعمال يمكن أن تكون من أسمى أوجه الإحسان إذا التزمنا بمبادئ الإسلام وقيمه الأخلاقية. وأعتقد أن كوني رائد أعمال في مجال الإنترنت قد مكّنني من تحقيق ذلك على مدار عقدين من الزمن.
ومع ذلك، فقد شهد الإنترنت كمنظومة تدهورًا ملحوظًا خلال العقود القليلة الماضية. رغم أن الإنترنت لا يزال أداة قوية أحدثت نقلة نوعية في حياة الكثيرين، إلا أننا شهدنا أيضًا انزلاقه – مع انتشار الهواتف الذكية – إلى هاوية الإدمان والتسلية التافهة.
يمكن أن يكون الوصول غير المقيد للإنترنت ساحة معركة أخلاقية لكل من يحمل همًا أخلاقيًا حقيقيًا، بغض النظر عن معتقداته الدينية. اليوم، انتشرت المواد الإباحية، والمقامرة، والمحتوى الفاضح، والتسلية المسببة للإدمان، ومقاطع الفيديو القصيرة، والاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من الملهيات التي تحرمها الأديان والقيم الأخلاقية، بما في ذلك الإسلام.
بات من السهل الوقوع في الفعل المحرم بنقرة زر واحدة، ولم يتوقف الأمر عند سهولة الوصول إلى هذه الرذائل، بل تعداه إلى استغلال بعض المنصات للمستخدمين، ودفعهم لقضاء المزيد من الوقت في ممارسة أنشطة تافهة تتعارض مع تعاليم الدين والأخلاق.
خلال العقود القليلة الماضية، تزايدت المخاوف بشأن الآثار السلبية للإدمان على الإنترنت والهواتف الذكية. تشير الدراسات إلى أن الشخص يتفقد هاتفه بمعدل 2617 مرة يوميًا؛ كما أن الإفراط في استخدام الإنترنت والأجهزة الذكية له آثار ضارة على الصحة العقلية والجسدية.

كنت على دراية بهذا التحول في ثقافة الإنترنت منذ فترة، لكن الأمر أصبح أكثر وضوحًا لي خلال رحلة إلى الخارج قبل بضع سنوات. بعيدًا عن ثقافتي ومع وجود وقت كافٍ للتأمل، أدركت حجم المحتوى الضار على الإنترنت والأنشطة والرذائل التي تنتشر بشكل مخيف. بدت قائمة الملهيات لا نهاية لها ولا يمكن تجنبها بغض النظر عن المكان الذي تنقر عليه.
بالنسبة للمسلمين، هذه أخبار سيئة وهي ترجمة تحذير القرآن الكريم من الشيطان. إن كل هذا الوقت الذي يُهدر في التسلية المحرمة لا يُنفق في ذكر الله. فقد حذرن الله من مكائد الشيطان حين قال: “قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ (17) (سورة الأعراف )
شعرتُ بقلق عميق من التناقض الصارخ بين هذا العالم الافتراضي غير المقيد والمبادئ الإسلامية التي نشأت عليها. أدركتُ مدى سهولة انحراف أي منا – سواء عن قصد أو بدون قصد – عن “الطريق المستقيم” الذي أمرنا الله باتباعه.
وكما ذكرتُ سابقًا، بصفتي رائد أعمال، لطالما رأيتُ في رحلتي في ريادة الأعمال جزءًا من العبادة. أن أفعل شيئًا جيدًا سيُحسب لي كعمل صالح في هذه الدنيا وفي الآخرة.
بعد رحلتي إلى الخارج، أدركتُ أن الإنترنت يمثل أحد أخطر الوسائل التي يستخدمها الشيطان لمهاجمة المؤمنين في كل مكان. يمكن أن تؤدي المشاركة الرقمية المستمرة إلى إبعاد قلوبنا وعقولنا عن الأهم – علاقتنا بالله. ننتهي بإضاعة ساعات لا تُحصى من وقتنا وإنتاجيتنا في التسلية والانغماس في الأنشطة المحرمة والمُلهيات التي صُممت لتصبح إدمانية. إنه صراع نواجهه جميعًا نظرًا لأن الإنترنت أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية.
أدركتُ أننا بحاجة ماسة إلى تطوير حلول لمواجهة هذا التحدي الخطير الذي يواجه أمتنا اليوم، وذلك من خلال إنشاء بدائل تكنولوجية آمنة وحلال لتجربة الإنترنت بما يتوافق مع تعاليم الإسلام. ومن هنا جاءتني فكرة “حلالز”، وهي شركة ناشئة تهدف إلى توفير تجربة إنترنت حلال وآمنة للمسلمين في جميع أنحاء العالم.
لقد بدأنا العمل على الفكرة منذ حوالي عامين. واليوم، نطلق أول منتج لنا وهو “كهف غارد“، وهو تطبيق وملحق متصفح يساعد على تصفح الإنترنت بطريقة حلال للمسلمين ولجميع من يهتم باستخدام الإنترنت بشكل أخلاقي في جميع أنحاء العالم.

يقوم “كهف غارد” بحظر الوصول إلى كل شيء بدءًا من المحتوى الإباحي ومواقع المواعدة وصولاً إلى خدمات المقامرة وغيرها من المحتوى الضار عبر الإنترنت الذي ينتهك القيم الأخلاقية للإسلام. يفرض “كهف غارد” فلاتر صارمة على محركات البحث ومنصات الفيديو لاستبعاد المحتوى الفاضح أو غير المناسب. كما أنه يمنع محاولات القرصنة الخبيثة وحملات التصيد الاحتيالي المُصممة للحصول على بياناتك ويحد من الإعلانات المُزعجة. بالنسبة للأسر، فإنه يُوفر بيئة آمنة وخالية من المُلهيات للأطفال، مما يُغير طريقة تصفحك للإنترنت لتكون أكثر أمانًا.
الهدف هو مساعدتنا جميعًا على استعادة وقتنا الثمين من عادات الإنترنت المدمرة وإعادة توجيه عاداتنا الرقمية لتتماشى مع المبادئ الأخلاقية للإسلام.
يُعدكهف غارد مجرد نقطة البداية لما نسعى إلى بنائه. هدفنا من “حلالز” هو بناء منظومة أخلاقية كاملة من منتجات وخدمات الإنترنت لمساعدة الناس على تجربة إنترنت آمن وحلال. على المدى الطويل، نريد بناء عالم موازٍ من التكنولوجيا وخدمات الإنترنت المتوافقة مع الأخلاق والمعتقدات الإسلامية.
وكجزء من هذا الطموح، أطلقنا أيضًا نسخة تجريبية من متصفحنا الذي يُطلق عليه متصفح كهف مع ميزة الذكاء الاصطناعي المُدمجة “سايف جازي” التي تُطمس المحتوى غير المحتشم عبر الإنترنت. لدينا مجموعة من المنتجات الأخرى التي نخطط لإطلاقها في الأيام المقبلة.
أدرك أن هذه المهمة قد تبدو غريبة أو قديمة للبعض. يدعو فلاسفة عصر الإنترنت إلى الانفتاح وحق الحصول على المعلومات وحرية التعبير دون قيود. لكن هذا النهج أصبح مرفوضًا بشكل متزايد. تُظهر العديد من الدراسات مخاطر الإدمان المتزايد على الإنترنت والأضرار المادية التي يسببها الوصول غير المقيد إلى رذائل الإنترنت، مما يُلهم حركة جديدة ضد الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من مخاطر الإنترنت.
بالنسبة للمسلمين، نحن نعمل وفقًا لمعيار مُختلف. معاييرنا الأخلاقية واضحة ولا لبس فيها كما هو مُحدد في تعاليمنا الدينية الخالدة. ليس هناك مجال للتلاعب بنزوات المجتمع أو الشركات التي تُطارد الربح بأي ثمن. يوفر لنا القرآن الكريم والسنة النبوية المبادئ التوجيهية لكيفية التصرف بطريقة ترضي الله.
في “حلالز”، هدفنا هو مساعدة المسلمين في جميع أنحاء العالم على التقيد بهذه القيم عند استخدام الإنترنت. نعتقد أنه من الممكن بناء تجربة إنترنت يمكن أن تُساعدنا على أن نكون أكثر وعيًا عبر الإنترنت.
أتفهم أن ما نطمح إلى تحقيقه هو مهمة طموحة. لا يمكننا تحقيق ذلك بمفردنا. نحن بحاجة إلى دعمكم وإقبالكم وتعليقاتكم ودعائكم. ولهذه الغاية، أدعوكم جميعًا إلى تنزيل “كهف غارد” والانضمام إلينا في هذه الرحلة نحو بناء تجربة رقمية أكثر أخلاقية متوافقة مع ديننا.
أنا واثق من أنه يمكننا سويًا تحقيق ذلك واستعادة الإنترنت ليكون في خدمة ما هو أهم – وهو تقوية علاقتنا بالله.
جزاكم الله خيرًا، ووفقنا الله وإياكم إلى ما يحب ويرضى.